فصل: فصل في غربة الدين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.موعظة:

عِبَادَ اللهِ نَحْنُ في زمن بلغ فِيه الفساد مبلغاً ما كَانَ يدور في خلد إنسان وهان عَلَى كثير من النَّاس الْيَوْم أن يتقدموا إلى المعاصي مطمئنين وخف عَلَيْهمْ جداً أن يرتكبوا ما حرم الله عَلَيْهمْ غير هيابين من الله تعالى ولا مبالين بنواهيه.
ولعل زمننا هَذَا ينطبق عَلَيْهِ ما في حديث أنس رَضِيَ اللهُ عنهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يأتي عَلَى النَّاس زمان القابض عَلَى دينه كالقابض عَلَى الجمر، وما في حديث أَبِي هُرَيْرَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبي للغرباء». أخرجه مسلم.
وأخرجه الإمام أَحَمَدُ وابنُ ماجة من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي: قيل يَا رَسُولَ اللهِ: ومن الغرباء، قال: «النزاع من القبائل»، وأخرجه أبو بكر الآجُرِّي وعنده: قيل ومن هم يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «الَّذِينَ يصلحون إِذَا فسد النَّاس».
وأخرجه غيره، وعنده قال: «الَّذِينَ يفرون بدينهم من الفتن»، وأخرجه الترمذي من حديث كثير بن عَبْد اللهِ المزني عن أبيه عن جده عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الدين بدأ غريباً وسيرجع غريباً فطوبي للغرباء الَّذِينَ يصلحون ما أفسد النَّاس من سنتي» وفي حديثه: قيل ومن هم يَا رَسُولَ اللهِ قال: «الَّذِينَ يصلحون حين فساد النَّاس».
أما الْحَدِيث الأول فهو واضح ومنطبق كُل الانطباق عَلَى هَذَا الزمان فيما أري وَاللهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أنك تري الشر والفساد في كُلّ مكَان منتشراً والْخَيْر نادر الوجود فالفتن في البيوت والأسواق والدكاكين والسيارات والقطارات والطائرات فتن شهوات نساء سافرات وفتن شكوك وإلحاد وشبهات من أناس منحرفين وكتب ضلال ومجلات تحمل في طيها البلايا والشرور وفيديوهات تعلم الفساد أبلغ تعليم وتهيج عَلَيْهِ، حدث فتن يرقق بعضها بعضاً وحوادث الأخري أعظم من الأولي ومن أعظم ما حدث كثرة الخدامين والخدامَاتِ والسواقين والطباخين والمربين فإن ضررهم عَظِيم عَلَى الدين والأخلاق والدُّنْيَا. فانتبه يا من زين له سوء عمله وأتي بكفار أعداء الله ورسوله والْمُؤْمِنِين وأمنهم عَلَى محارمه خدامين أو سواقين أو مربين أو نحو ذَلِكَ عياذَاً بِاللهِ من ذَلِكَ.
إِذَا أكْثَرُ الأجَانِبُ فِي بِلاَدٍ ** تَلاَشَى الأمْنُ وانْتَشَرَ الفَسَادُ

وقَدْ كُنْتُ أَشْكُو مِنْ حَوَادِثَ بُرْهَةٍ ** وأسْتَمْرِسُ الأيَامَ وهِي صَحَائِحُ

إِلى أَنْ تَغَشَّتْنِيْ وُقِيْتَ حوَادِثُ ** تُحَقِّقُ أَنَّ السَّالِفَاتِ مَنَائِحُ

آخر:
ظُلَمٌ تَهَافَتْ آخِذَاتٌ بَعْضُهَا ** بالبَعْضِ تَسْتَلِبُ الفُؤَادَ الألْمَعَا

لاَ يَسْتَبِيْنُ المَرْءُ فِيها كَفَّهُ ** تَذَرُ الحِجَى بالبَاطِلاَتِ مُوَلَّعَا

وجَهَالَةٌ جَهْلاَ يَرْتَعُ أهْلُهَا ** فِي حِنْدِسٍ مِنْهَا وَسَاءَتْ مَرْتَعَا

وفتن أموال انفتحت عَلَى النَّاس بكثرة وفتن أولاد وبنات وزوجات وزملاء وشركاء وعمال منافقين كذابين لا يصلون ولا يصومون وكثرة مغتابين ونمامين وخداعين ومكارين ومجاهرة بالمعاصي وقلة أنصار وأعوان وكثرة مثبطين عن الأمر بالمعروف والنهي عن الْمُنْكَر ونحو ذَلِكَ مِمَّا يطول ذكره. وقل أن تجد من هؤلاء من يحافظ عَلَى أركَانِ الإسلام.
ولكن المتمسك بدينه القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أَهْل البصائر واليقين وأَهْل الإيمان المتين الثابتين ثبوت الجبال الراسيات من أفضل خلق الله وأعلاهم درجة عِنْدَ الله وأعظمهم عنده قدراً جعلنا الله وإياكم مِنْهُمْ إنه القادر عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بالّتِي ** لِقَبْضٍ عَلَى جَمْرِ فَتَنْجُو مِنْ البَلاَ

وأما الْحَدِيث الثاني فالإسلام فِي أول أمره غريب قليل لأن النَّاس كَانُوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى ضلاله عامة فَلَمَّا بُعث مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لم يستجب له فِي أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كُلّ قبيلة وكَانَ المستجيب له خائفاً من عشيرته يؤذي غاية الأذي وينال منه وَهُوَ صابر عَلَى ذَلِكَ فِي الله عَزَّ وَجَلَّ.
وكَانَ المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كُلّ مشرَّد ويهربون بدينهم إلى الْبِلاد النائية كما هاجروا إلى الحبشة مرتين ثُمَّ هاجروا إلى الْمَدِينَة وكَانَ مِنْهُمْ من يعذب فِي الله ويقتل كعمار وأمه وأبيه وبلال وغيرهم من الصحابة.
ولعله مر بك أثناء اْلكِتَاب ما جري عَلَيْهمْ فِي أول إسلامهم من الأذي فقَدْ ذكرنا نماذج مِنْهُمْ، قال بَعْضهمْ أبيات لا تنطبق إلا عَلَى الصحابة رضوان الله عَلَيْهمْ أجمعين:
قَوْمٌ لَقَدْ آمَنُوْا بِاللهِ خَالِقِهِمْ ** وَهَاجَرُوْا وَاتَّقَوا إِثْماً وَعُدْوَانََا

وَجَاهَدُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ بَلْ صَبَرُوْا ** وَصَابَرُوْا لِذَوِيْ الإشْرَاكِ أَزْمَانَا

تَعَلُّمُ العِلْمِ بالإصْبَاحِ هَمُّهُمُوْا ** وَيَنْقَضِيْ لَيْلُهُمْ ذِكْراً وَقُرْآنَا

وَجَامِعُ الأمر إِنْ تَطْلُبْ لِوَصْفِهِمُوْا ** نَهَارُهُمْ أَسُدٌ واللَّيْلُ رُهْبَانَا

فكَانَ الداخلون فِي الإسلام إذ ذاك غرباء.
ثُمَّ ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى الْمَدِينَة وعز وصار أهله ظاهرين كُلّ الظهور ودخل النَّاس بعد ذَلِكَ فِي دين الله أفواجاً وأكمل الله لهُمْ الدين وأتم عَلَيْهمْ النعمة.
وتوفِي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر عَلَى ذَلِكَ وأَهْل الإسلام عَلَى غاية من الاستقامة فِي دينهم وهم متعاضدون متناصرون.
وكَانُوا عَلَى ذَلِكَ فِي زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثُمَّ عمل الشيطان مكائده عَلَى المُسْلِمِيْنَ وألقي بأسهم بينهم وأفشي فيهم فتن الشبهات والشهوات.
ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئاً فشيئاً حتي استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق فمِنْهُمْ من أطاعه ودخل فِي فتنة الشبهات وَمِنْهُمْ من دخل فِي فتنة الشهوات وَمِنْهُمْ من دخل فِي الفتنتين.
وكل ذَلِكَ مِمَّا أخبر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بوقوعه فأما فتنة الشبهات.
فقَدْ روي عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من غير وجه: أن أمته ستفترق عَلَى أزيد من سبعين فرقة وأن تلك الفرق فِي النار إلا واحدةً وهي من كانت عَلَى ما هُوَ عَلَيْهِ هُوَ وأصحابه صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي برزة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنما أخشي عليكم الشهوات التي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن وفِي رواية ومضلات الهوي.
فَلَمَّا دخل أكثر النَّاس فِي هاتين الفتنتين أو إحديهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كَانُوا إخواناً متحابين متواصلين فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدُّنْيَا وزهرتها فصَارَت غاية قصدهم لها يطلبون وبها يرضون ولها يغضبون ولها يوالون وعَلَيْهَا يعادون فقطعوا لذَلِكَ أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذَلِكَ.
وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أَهْل القبلة وصاروا شيعاً وكفر بَعْضهمْ بعض وأصبحوا أعداءً وفرقاً وأحزاباً بعد أن كَانُوا إخوانَاً قُلُوبهمْ عَلَى قلب رجل واحد فلم ينج من هذه الفرق كُلّهَا إلا الفرقة الواحدة الناجية.
وهم المذكورون فِي قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتي يأتي أمر الله وهم عَلَى ذَلِكَ.
وهم فِي آخر الزمان الغرباء المذكورون فِي هذه الأحاديث الَّذِينَ يصلحون إِذَا فسد النَّاس ويصلحون ما أفسد النَّاس من السنَّة وهم الَّذِينَ يفرون بدينهم من الفتن وهم النزاع من القبائل.
لأنهم قلوا فلا يوَجَدَ فِي كُلّ قبيلة مِنْهُمْ إلا الواحد وقَدْ لا يوَجَدَ فِي بعض القبائل مِنْهُمْ أحد كما كَانَ الداخلون فِي الإسلام فِي أول الأمر كَذَلِكَ.
وفِي مسند الإمام أَحَمَد عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: يوشك إن طالت بك الحياة أن تري الرجل قَدْ قَرَأَ القرآن عَلَى لسان مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبداه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عِنْدَ منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز الحمار الميت.
ومثله قول ابن مسعود: يأتي عَلَى النَّاس زمان يكون المُؤْمِن فِيه أذل من الأمة، وإنما ذل المُؤْمِن آخر الزمان لغربته بين أَهْل الفساد من أَهْل الشبهات والشهوات فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم ومقصوده لمقصودهم ومباينته لما هم عَلَيْهِ من الشر والفساد والخبث وسائر الصفات القبيحة التي أهونها توريد الكفار والملاهي والمنكرات لبلاد المُسْلِمِيْنَ.
وتجد أكثر من يؤذيه سقطهم وسفلهم ولئامهم لقلة أعوانه وأنصاره وكثرة المخذلين والمرجفين وأعوان إبلَيْسَ وجنوده خذلهم الله ودمرهم.
فكم فتروا عزم آمر بمعروف أو ناهٍ عن منكر بقولهم ما أَنْتَ بمكلف بِهُمْ أتركهم عَلَيْكَ بنفسك ونحو هَذَا الكلام والعياذ بِاللهِ.
قَرَبَتْ وَحَانَتْ أرْبةٌ لاِرْتِحَالِيْ ** عن هَذِهِ الدُّنْيَا بِلاَ إِشْكَالِ

الأرض قَدْ مَنَعَتْ كَلاهَا والسَّمَا ** ظَنَّتْ وَذَلِكَ رَائِدُ الأهَوَالِ

ظَهَرَ الفَسَادُ بِبَرَّهَا وَبِبَحْرِهَا ** وتَنَكَرَتْ أحْوَالُهَا فِي الحَالِ

لم يَبْقَ فِي الدُّنْيَا جَمِيْلٌ ظَاهِرٌ ** إلا أَقَاصِيْصُ القُرُوْنِ الخَال

هَلْ فِي الوَرَى مُتَيَقَضٌ مُتَحَفِّظٌ ** يَدَعْ الثَّوانِيَ عنهُ فِي الأعمال

وقَدْ تَسْلِبُ الايَّامُ حَالاتِ أَهْلِهَا ** وَتَعْدُوْا عَلَى أُسْدِ الرِّجَالِ الثَّعَالِبُ

آخر:
إِذَا هَلَكَتْ أُسْدُ العَرِيْنَ وَلم يَكُنْ ** لَهَا خَلَفٌ فِي الغِيْلِ سَادَ الثَّعَالِبُ

آخر:
لمَّا تَبَدَّلَتِ المَجَالِسُ أَوْجُهاً ** غَيْرَ الَّذِيْنَ عهِدْتُ مِنْ عُلَمَائِهَا

وَرَأَيْتُهَا مَحْفُوفَةً بِسِوَى الأوْلَى ** كَانُوا وُلاَةَ صُدُرْوِهَا وَفِنَائِهَا

أَنْشَدْتُ بَيْتاً سَائِراً مُتَقَدِّماً ** والعَيْنُ قَدْ شَرِقَتْ بِجَارِيَ مَائِهَا

أَمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ ** وَأَرَى رِجَالَ الحَيِّ غَيْرَ رِجَالِهَا

فيا له من زمان يواجه فِيه المُؤْمِن الصابر عواصف الفتن وَرُبَّمَا تمني الموت لما يري من المنكرات التي لا يستطيع لها تغييراً واسمَعَ إلى ما ورد.
فعن محمر عن يحيي بن أبي كثير قال: دخلت عَلَى أبي مسلمة ابن عبد الرحمن وَهُوَ مريض فَقَالَ: إن استطعت أن تموت فمت فوَاللهِ ليأتي عَلَى النَّاس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر.
قُلْتُ: وفِي زمننا هَذَا موجود فِي كثير من أقطار الأرض مسلمون ينوع عَلَيْهمْ الْعَذَاب عشية وضحاها وبودهم لو ماتوا واستراحوا فالموت أحب إليهم من الذهب الأحمر، وَقَالَ طاووس: لا تحرز دين المرء إلا حفرته.
وروي أن ابن عباس قال لعمر رضي الله عنهما: أكثرت الدُّعَاء بالموت حتي خشيت أن يكون ذَلِكَ أسهل لك عِنْدَ أوان نزوله فلماذَا مللت أما تعين صَالِحاً أو تَقُوم فاسداً قال يا ابن عباس: إني قائل لك قولاً وَهُوَ إليك، قال: قُلْتُ لن يعدوني، قال: كيف لا أحب فراقهم وفيهم ناس كُلّ فاتح فيه للهوةٍ من الدُّنْيَا إما بحق لا ينوء به أو بباطل لا يناله ولولا أن أسأل عنهم لهربت منكم فأصبح الأرض مني بلاقع، وَاللهُ أَعْلم وصلى الله عَلَى مُحَمَّد.

.فصل في غربة الدين:

ومن كلام أَحَمَد بن عاصم الأنطاكي وكَانَ من كبار التابعين قال: إني أدركت من الأزمنة زمانَاً عاد فِيه الإسلام غريباً كما بدأ إن ترغب فِيه إلى عَالمٍ وجدته مفتوناً بحب الدُّنْيَا يحب التعَظِيم والرياسة، قُلْتُ: وما أكثره فِي زمننا فأمعن نظرك، قال: وإن ترغب فِيه إلى عابد وجدته جاهلاً فِي عبادته مخدوعاً صريعاً غدره إبلَيْس قَدْ صعد به إلى أعلا درجة العبادة وَهُوَ جاهل بأدناها فَكَيْفَ له بأعلاها.
وسائر ذَلِكَ من الرعاع همج عوج ذئاب مختلسة وسباع ضارية وثعالب ضوار هَذَا وصف عيون أَهْل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة، أخرجه أبو نعيم فِي الحلية، فهَذَا وصف أَهْل زمانه، فَكَيْفَ بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر فِي خياله من المنكرات.
وعن الحسن البصري أنه قال: لو أن رجلاً من الصدر الأول بعث الْيَوْم ما عرف من الإسلام شيئاً إلا تلك الصَّلاة. قُلْتُ: وفِي زمننا الصَّلاة جسم بلا روح عِنْدَ كثير من البقايا المتمسكين بها فلا حول ولا قوة إلا بِاللهِ العَلَى العَظِيم وَهُوَ حسبنا ونعم الوكيل.
ثُمَّ قال: والَّذِي نفسي بيده لئن عاش عَلَى هذه المنكرات فرأي صَاحِب بدعة يدعو إلى بدعته وصَاحِب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله تعالى وجعل قَلْبهُ يحن إلى ذكر السَّلَف فيتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبيلهم كَانَ له أجر عَظِيم.
وَقَالَ عَلَى بن أبي طالب: تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله فإنه سيأتي بعد زمان ينكر الحق فِيه سبعة أعشارهم.
وَقَالَ ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يري منكراً لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قَلْبهُ أنه له كاره. قُلْتُ: وقَدْ وقع شيء كثير فِي زمننا وقبله مثل الصور والتلفزيون والفيديو والمذياع والكورة والسفور وحلق اللحية والدخان.
لَقَدْ بَانَ لِلنَّاسِ الهُدَى غَيْرَ أنَّهُمْ ** غَدَوْ ابِجَلا يِبْبِ الهَوَى قَدْ تَجْلْبَبُوْا

آخر:
اعْتَزِلْ أَهْلَ المَلاَهِيْ وَالكُرَةْ ** وَاحْذَرِ الفِدْيُوْ وَتِلْفَازَ الضَّرِرْ

كم بِهَا قَدْ ضَاعَ عُمْرٌ يَا فَتَى ** لَوْ صُرِفْ فِي طَاعَةٍ نِلْتَ الأجَرْ

وَقَالَ أبو الدرداء: لَوْ خرج إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الْيَوْم ما عرف شيئاً مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وأصحابه إلا الصَّلاة، وعن ابن عباس قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «من تمسك بسنتي عِنْدَ فساد أمتي فله أجرُ مائة شهيد» رواه البيهقي ورواه الطبراني من حديث أَبِي هُرَيْرَةِ إلا أنه قال: فله أجر شهيد.
وروي الترمذي عن أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقُلْتُ لم ما تصنع بهذه الآية قال: قُلْتُ: قول الله تعالى: {يَا أيها الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكم أَنفُسَكم لاَ يَضُرُّكم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
قال: أما وَاللهِ لَقَدْ سألت عنهَا خبيراً سألت عنهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن الْمُنْكَر حتي إِذَا رَأَيْت شحاً مطاعاً وهويً متبعاً ودنيا مؤثرةً وإعجابَ كُلّ ذي رأي برأيه فعَلَيْكَ بنفسك ودع عنكَ العوام.
فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن عَلَى دينه كالقابض عَلَى الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم، قال الترمذي: عن ابن مبارك وزَادَ غَيْر عتبة أي الراوي وَهُوَ ابن حكيم خمسين رجلاً منكم، وروي الطبراني من حديث عتبة بن غزوان قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من ورائكم أيام الصبر المتمسك فيها يومئذ بمثل ما أنتم عَلَيْهِ كأجر خمسين منكم.
وَقَالَ ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
هَذَا ولِلْمُتَمَسِّكِيْنَ بسُنَّةِ الْـ ** مُخْتَارِ عِنْدَ فَسَادِ ذِيْ الأزْمَانِ

أَجْرٌ عَظِيْمٌ لَيْسَ يَقْدُرُ قَدْرَهُ ** إلا الَّذِي أَعْطَاهُ لِلإِنْسَانِ

فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنٍ لَهُ ** وَرَوَاهُ أَيْضاً أَحْمَدُ الشَّيْبَانِي

أَثَراً تَضَمَّنَ أَجرْ َخَمْسِيْنَ امْرأً ** مِنْ صَحْبِ أَحْمَدَ خِيْرَةِ الرَّحْمنِ

إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ومِصْدَاقٌ لَهُ ** فِي مُسْلِمٍ فَأَفْهَمْهُ بِالإحْسَانِ

أَنَّ العِبَادَةَ وَقْتَ هَرْجٍ هِجْرَةٌ ** حَقاً إِلى وَذَاكَ ذُوْ بُرْهَانِ

هَذَا فكم مِنْ هِجْرِةٍ لَكَ أَيُّهَا السّـ ** سُنِّيُ بِالتَّحْقِيْقِ لاَ بِأَمَانِ

هَذَا وَكم مِن هِجْرِةٍ لهُمْ بِمَا ** قَالَ الرَّسُولُ وجَاءَ فِي القُرْآنِ

ولَقَدْ أَتَى مِصْدَاقُهُ فِي التِرْمِذِيُ ** لِمَنْ لَهُ أُذَنَانِ وَاعِيَتَانِ

فِي أَجْرِ مُحْيِيْ سُنَّةً مَاتَتْ فَذَا ** كَ مَعَ الرَّسُولِ لِمَنْ لَهُ عَيْنَانِ

تَشْبِيْهُ أُمَّتِهِ بِغَيْثٍ أوّلٍ ** مِنْهُ وآخِرُهُ فَمُشْتَبِهَانِ

فَلِذَاكَ لاَ يُدْرَي الَّذِي هُوَ مِنْهُمَا ** قَدْ خُصَّ بِالتَّفْضِيْلِ والرُّجْحَانِ

ولَقَدْ أَتَى أَثَرٌ بِأَنَّ الْفَضْلَ فِي الـ ** ـطَرَفَيْنِ أعَنِيْ أَوَّلاً والثَّانِي

والْوَسْطُ ذُوْ ثَبَجٍ فَاعْوَجَ هَكَذَا ** جَاءَ الْحَدِيْثُ ولَيْسَ ذَا نُكْرَانِ

ولَقَدْ أَتَى فِي الوَحْيِ مِصْدَاقٌ لَهُ ** فِي الثُلَّثَيْنِ وذَاكَ فِي القُرْآنِ

أَهْلُ اليَمِيْنِ فَثُلَّةٌ مَعَ مِثْلِهَا ** والسَّابِقُوْنَ أَقَلُّ فِي الحُسْبَانِ

مَا ذَاكَ إلا أَنَّ تَابِعَهُمْ هُمُ الْـ ** غُرَبَاءُ لَيْسَتْ غُرْبَةَ الأوْطَانِ

لَكِنَّهَا وَاللهِ غُرْبَةُ قَائِمِ ** بِالدِّيْنِ بَيْنَ عَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ

فَلِذَاكَ شَبَّهَهُمْ بِهِ مَتْبُوْعُهُمْ ** فِي الغُرْبَتَيْنِ وَذَاكَ ذُوْ تِبْيَانِ

لم يُشْبِهُوْهُمْ فِي جَمِيْعِ أُمُوْرِهِمْ ** مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَيْسَ يَسْتَوِيَانِ

فَانْظُرْ إِلى تَفْسِيْرِهِ الغُرَبَاءَ بِالْـ ** مُحْبِيْنَ سُنَّتِهِ بِكُلِّ زَمَانِ

طُوْبَى لّهُمْ والشَّوْقُ يَحْدُوْهُمْ إِلى ** أَخْذِ الْحَدِيْثِ وَمُحْكََمِ القُرْآنِ

طُوْبَى لّهُمْ لم يَعْبَؤُا بنُحَاتَةِ الْـ ** أفْكَارِ أَوْ بِزُبَالَةِ الأذْهَانِ

طُوْبَى لهُمْ رَكِبُوا عَلَى مَتْنِ العَزَا ** ثُمَّ قَاصِدِيْنَ لِمَطْلَعِ الإيمان

طُوْبَى لهُمْ لم يَعْبَؤُا شيئاً بِدَالْـ ** أَراءِ إِذ أغْنَاهُمُ الوَحْيَانِ

طُوْبَى لهُمْ وإِمَامُهُمْ دُوْنَ الوَرَى ** مَنْ جَاءَ بِالإيمان والفُرْقَانِ

وَاللهِ مَا ائْتَمُّوْا بِشَخْصٍ دُوْنَهُ ** إلا إِذَا مَا دَلَّهُمْ بِبَيَانِ

فِي الْبَابِ آثَارٌ عَظِيْمٌ شَأْنُهَا ** أَعْيَتْ عَلَى العُلَمَاءِ فِي الأزْمَانِ

إِذْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ صَحَابَةَ الـ ** مُخْتَارِ خَيْرُ طَوَائِفِ الإنسان

ذَا بِالضَّرُوْرَةِ لَيْسَ فِيه الخُلْفُ بَيْـ ** نَ اِثْنَيْنِ مَا حُكِيَتْ بِهِ قَوْلاَنِ

فَلِذَاكَ ذِي الأثَارِ أَعْضَلَ أَمْرُهَا ** وَبَغَوْا لَهَا التَّفْسِيْرَ بِالإحْسَانِ

فَاسْمَعْ إِذَا تَأْوِيْلَهَا وافْهَمْهُ لاَ ** تَعْجَلْ بِرَدٍّ مِنْكَ أَوْ نُكْرَانِ

إِنَّ البِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لم تُحِطْ ** عِلْماً بِهِ سَبَبٌ إَلى الحِرْمَانِ

وَالفَضْلُ مِنْهُ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدُ ** وَهُمَا لأَهْلِ الفَضْلِ مَرْتَبَتَانِ

وَالفَضْلُ ذُوْ التَقْيِيْدِ لَيْسَ بِمُوْجِبِ ** فَضْلاً عَلَى الإطْلاَقِ مِنْ إِنْسَانِ

لاَ يُوْجِبُ التَقْيِيْدُ أَنْ يَقْضِي لَهُ ** بِالاسْتِوَاءِ فَكَيْفَ بِالرُّجْحَانِ

إِذْ كَانَ ذُوْ الإطْلاَقِ حَازَ مِنْ الفَضَا ** ئِلِ فَوْقَ ذِي التَّقْيِيْدِ بِالإحْسَانِ

فَإِذَا فَرَضْنَا وَاحِداً قَدْ حَازَ نَوْ ** عَاً لم يَحُزْهُ فَاضِلُ الإنسان

لم يُوْجِبِ التَّخْصِيْصُ مِنْ فَضْلِ عَلَيْـ ** ـهِ وَلاَ مُسَاوَاةٍ وَلاَ نُقْصَانِ

مَا خَلْقُ آدَمَ بِاليَدِيْنِ بِمُوْجِبٍ ** فَضْلاً عَلَى المَبْعُوْثِ بِالقُرْآنِ

وَكَذَا خَصَائِصُ مَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ ** مِنْ كُلِّ رُسْلِ اللهِ بِالبُرْهَانِ

فَمُحَمَّدٌ أَعْلاَهُمُ فَوْقاً وَمَا ** حَكمتَ لَهُمْ بِمَزِيَّةِ الرُّجْحَانِ

فَالحَائِزُ الخَمْسِيْنَ أَجْراً لم يَحُزْ ** هَا فِي جَمِْيعِ شَرَائِعِ الإيمان

هَلْ حَازَهَا إِذْ كَانَ قَدْ عَدِمَ المُعِيْـ ** نَ وَهُمْ فَقَدْ كَانُوْا أْولِي أَعْوَانِ

والرَّبُ لَيْسَ يُضِيْعُ مَا يَتَحَمَّلُ الْـ ** مُتَحَمَّلُونَ لأَجْلِهِ مِنْ شَانِ

فَتَحَمُّلِ الْعَبْد الوَحْيِدِ رِضَاهُ مَعْ ** فَيْضِ الْعَدُوِّ وَقِلَّةِ الأعْوَانِ

مِمَّا يَدُلَّ عَلَى يَقِيْنٍ صَادِقٍ ** وَمَحَبَّةٍ وحَقِيْقَةِ العِرْفَانِ

يَكْفِيه ذُلاً وَاغْتِرَاباً قِلَّةُ الْـ ** أَنْصَارِ بَيْنَ عَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ

فِي كُلّ يَوْمٍ فِرْقَةٌ تَغْزُوْهُ إِنْ ** تَرْجِعْ يُوَافِيه الفَرِيْقُ الثَّانِي

فَسَلِ الغَرِيْبَ المُسْتَضَامَ عن الّذِيْ ** يَلْقَاهُ بَيْنَ عِدَى بِلا حُسْبَانِ

هَذَا وقَدْ بَعُدَ المَدَى وَتَطَاوَلْ الْـ ** عَهْدُ الَّذِي هُوَ مُوْجِبُ الإحْسَانِ

ولِذَاكَ كَانَ كَقَابِضٍ جَمْراً فَسَلْ ** أَحْشَاءَهُ عن حَرِّ ذِيْ النِيْرَانِ

وَاللهُ أَعْلم بالَّذِي فِي قَلْبهُ ** يَكْفِيه عِلْمُ الوَاحِدِ المَنَانِ

فِي الْقَلْبِ أَمْرٌ لَيْسَ يَقْدُرُ قَدْرَهُ ** إلا الَّذِي آتَاهُ لِلإِنْسَانِ

بِرٌ وَتَوْحِيْدٌ وَصَبْرٌ مَعَ رِضَا ** وَالشُّكْرُ والتَّحْكِيْمُ لِلْقُرْآنِ

سُبْحَانَ قَاسِمِ فَضْلِهِ بَيْنَ العِبَا ** دِ فَذَاكَ مُوْلِ الفَضْلِ والإحْسَانِ

فَالفَضْلُ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ بِصُوْرَةِ الْـ ** أَعْمَالِ بَلْ بِحَقَائِقِ الإيمان

وَتَفَاضُلُ الأعمال يَتْبَعُ مَا يَقُوْ ** مُ بِقَلْبِ صَاحِبَِِهَا مِنْ البُرْهَانِ

حَتَّى يَكُونَ العَامِلاَنِ كِلاَهُمَا ** فِي رُتْبَةٍ تَبْدُوْ لَنَا بِعِيَانِ

هَذَا وبَيَنْهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَا ** والأرض فِي فَضْلٍ وفِي رُجْحَانِ

وَيَكُونُ بَيْنَ ثَوَابِ ذَا وَثَوَابِ ذَا ** رُتَبٌ مُضَاعَفَةٌ بِلا حُسْبَانِ

هَذَا عَطَاءُ الرَّبِ جَلَّ جَلاَلُهُ ** وَبِذَاكَ تُعْرَفُ حِكْمَةُ الرَّحْمن

وَاللهُ أَعْلم وصلى الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم.